فنُّ العمارة هو الفن الذي يهتم بتصميم المباني وتنظيم فراغاتها بما يناسب استعمالها. هذا هو التعريف الذي يحفظه طلاب المدارس، وهو تعريف دقيق، لأن المبنى يُصمَّم أولًا ليُستعمل، ثم يتشكل من طريقة استعماله ومن المواد المتاحة ومن ذوق أهل المكان.
قبل أكثر من ألفي عام كتب المعماري الروماني فيتروفيوس أن المبنى الجيد يجمع المتانة والمنفعة والجمال. ما زالت هذه القاعدة صالحة لتقييم أي مبنى، من فيلا في الرياض إلى مستشفى في جدة، وهي الخيط الذي يربط الطرز المعمارية كلها من الأهرامات حتى الأبراج الزجاجية.
ما هو فن العمارة؟
العمارة هي تصميم المباني والفراغات التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتعبدون. يقرر المعماري حجم كل فراغ وعلاقته بما حوله، ومن أين يدخل الضوء والهواء، وكيف يتحرك الناس داخل المبنى، ثم يختار المواد والشكل الخارجي. وكل هذا يبدأ من الفكرة التصميمية التي يُبنى عليها المشروع.
ولأن المبنى يعيش عشرات السنين وأحيانًا آلافها، صارت العمارة سجلًا للحضارات. في معبد الكرنك تقرأ عقيدة المصريين القدماء، وفي بيوت الطين بالدرعية تقرأ طريقة أهل نجد في التعامل مع الحر.
يحتاج المعماري إلى الرسم والحس الجمالي، ويحتاج بالقدر نفسه إلى الهندسة: أحمال المبنى، والعزل، والتهوية، واشتراطات البلدية. لذلك يعمل المعماري اليوم ضمن فريق فيه مهندس إنشائي ومهندسو كهرباء وميكانيكا.
أنواع العمارة عبر التاريخ
تُقسَّم أنواع العمارة عادة حسب الحضارة والعصر. وأغلب الطرز ظهرت لأن مادة بناء جديدة أو فكرة جديدة سمحت بشكل لم يكن ممكنًا قبلها.
العمارة المصرية القديمة
بنى المصريون القدماء معابدهم ومقابرهم بالحجر لأنهم أرادوها أن تبقى. أقدم هرم معروف هو هرم زوسر المدرج في سقارة، ويُنسب تصميمه إلى إمحوتب نحو سنة 2650 قبل الميلاد. وبعده بنحو قرن بُني الهرم الأكبر للملك خوفو في الجيزة، وظل أعلى بناء صنعه الإنسان قرابة 3800 عام.
وفي المعابد جانب آخر من هذه العمارة. معبد الكرنك بالأقصر فيه قاعة أعمدة ضخمة تيجانها على شكل نبات البردي، وأمام مداخل المعابد مسلات نُحتت كل منها من قطعة جرانيت واحدة.
العمارة اليونانية والرومانية
وضع الإغريق نظام الأعمدة الذي ما زال يُدرَّس في كليات العمارة: العمود الدوري البسيط، والأيوني بتاجه الحلزوني، والكورنثي المزين بأوراق الأكانثوس. وأشهر مبانيهم البارثنون فوق أكروبوليس أثينا، وقد بُني في القرن الخامس قبل الميلاد.
أخذ الرومان هذا النظام وأضافوا إليه القوس والقبو والقبة، واستعملوا خرسانة من الجير والرماد البركاني. بهذه الخرسانة غطّت قبة البانثيون في روما فراغًا قطره نحو 43 مترًا دون عمود واحد في الداخل، والمبنى قائم ويُستعمل حتى اليوم.
العمارة البيزنطية
في القسطنطينية، إسطنبول اليوم، طوّر البيزنطيون القبة. آيا صوفيا التي افتُتحت سنة 537م تقوم قبتها على أربعة مثلثات كروية تنقل الحمل من دائرة القبة إلى أربعة أكتاف ضخمة، وجدرانها من الداخل مغطاة بالفسيفساء. ومن أمثلة هذا الطراز أيضًا كنيسة سان فيتالي في رافينا بإيطاليا.
العمارة الإسلامية
بدأت العمارة الإسلامية من المسجد وصحنه، ثم أخذت من البيزنطيين والفرس وأضافت عناصرها الخاصة: المئذنة والمحراب والمقرنصات، والزخرفة الهندسية والنباتية والخط العربي. من أقدم مبانيها قبة الصخرة في القدس التي اكتمل بناؤها نحو سنة 691م، ومن روائعها في القاهرة جامع ابن طولون ومسجد ومدرسة السلطان حسن، وفي الأندلس قصر الحمراء بغرناطة.
وفي البيوت ظهرت حلول للمناخ الحار ما زالت تُستعمل، كالفناء الداخلي والمشربية والملقف. كتبنا عنها بالتفصيل في المشربيات بين العمارة القديمة والحديثة، وعن أشهر المباني في العمارة الإسلامية في دول العالم.
العمارة القوطية
ظهرت في فرنسا في القرن الثاني عشر الميلادي. القوس المدبب والأقبية المضلعة والدعامات الطائرة نقلت الأحمال إلى خارج الجدار، فأمكن أن ترتفع الكنائس كثيرًا وأن تُفتح جدرانها بنوافذ واسعة من الزجاج الملون. ومن أشهر أمثلتها كاتدرائية نوتردام في باريس، وكاتدرائية شارتر، وكاتدرائية كولونيا في ألمانيا.

عمارة عصر النهضة والباروك
في فلورنسا في القرن الخامس عشر عاد المعماريون إلى النسب الرومانية والإغريقية. وأكمل برونليسكي قبة كاتدرائية المدينة بطريقة بناء لم تحتج إلى قالب خشبي يحمل القبة كلها أثناء التنفيذ، وكان ذلك إنجازًا هندسيًا في وقته.
ثم جاء الباروك في القرن السابع عشر بالمنحنيات والإضاءة المسرحية والزخرفة الكثيفة. الأروقة المنحنية التي صممها برنيني حول ساحة القديس بطرس في الفاتيكان مثال واضح عليه، وقصر فرساي قرب باريس مثال على نسخته الفرنسية الأكثر انضباطًا.
العمارة في القرن الثامن عشر
بدأ القرن الثامن عشر والباروك ما زال سائدًا، وتفرع عنه في فرنسا طراز الروكوكو بزخارفه الخفيفة المنحنية داخل القصور. ومع منتصف القرن تغير الذوق. بدأ التنقيب في أطلال هيركولانيوم سنة 1738 وفي بومبي سنة 1748، فعاد الاهتمام بالعمارة الرومانية كما كانت فعلًا، وظهرت العمارة الكلاسيكية الجديدة: واجهات متماثلة، وأعمدة وأقواس، وزخرفة أهدأ.
من مباني تلك الفترة البانثيون في باريس الذي بدأ سوفلو بناءه سنة 1757، وبوابة براندنبورغ في برلين التي بُنيت بين 1788 و1791، والبيت الأبيض في واشنطن الذي بدأ بناؤه سنة 1792. وفي آخر القرن بدأت الثورة الصناعية تغيّر مواد البناء نفسها، ففي سنة 1781 افتُتح في إنجلترا أول جسر في العالم مصنوع من الحديد الزهر.
والطراز الذي يُسمى اليوم النيو كلاسيك في تصميم واجهات المنازل يعود في أصله إلى هذه الفترة.
العمارة في القرن التاسع عشر
كان قرن الإحياء. أُعيد الطراز القوطي في مبنى البرلمان البريطاني في لندن، وأُعيد الكلاسيكي في البنوك والمتاحف، وخلط العصر الفيكتوري بين الطرز بحرية. أما التحول الأكبر فكان هندسيًا: قصر الكريستال الذي بُني في لندن لمعرض 1851 كان هيكلًا من الحديد والزجاج، وبرج إيفل سنة 1889 أظهر ما يمكن أن يصنعه الحديد، وفي شيكاغو ظهرت أولى ناطحات السحاب بهيكل معدني يحمل المبنى بدل الجدران الحاملة.
العمارة الحديثة والمعاصرة
في القرن العشرين صارت الخرسانة المسلحة والصلب والزجاج مواد البناء الأساسية. رفع المعماري الأمريكي لويس سوليفان شعار «الشكل يتبع الوظيفة»، وأسس فالتر غروبيوس مدرسة باوهاوس في ألمانيا سنة 1919، واشتهر ميس فان دير روه بعبارة «الأقل أكثر». خرجت من ذلك مبانٍ بلا زخرفة تقريبًا، أسطحها مستوية ونوافذها شرائط أفقية أو واجهات زجاجية كاملة.
ومنذ سبعينيات القرن العشرين ظهرت ردود فعل على هذا التقشف، من عمارة ما بعد الحداثة إلى التصميم البارامتري بمنحنياته الحرة الذي اشتهرت به المعمارية العراقية البريطانية زها حديد. وفي الخليج تتجه مشاريع كثيرة إلى عمارة معاصرة تستعيد عناصر محلية مثل الفناء والمشربية والألوان الترابية. وتجد أمثلة من عملنا في تصاميم معمارية حديثة صممناها في السعودية والخليج.
العمارة في مصر

قليل من البلاد يجمع هذا العدد من الطرز. في الجيزة الأهرامات، وفي الأقصر معبدا الكرنك والأقصر، وفي القاهرة الإسلامية مساجد طولونية وفاطمية ومملوكية، ثم مسجد محمد علي في القلعة بقبابه ومآذنه العثمانية النحيلة الذي بُني في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وفي القرن العشرين قدّم المعماري المصري حسن فتحي تجربة القرنة الجديدة في الأقصر: بيوت من الطوب اللبن بقباب وأقبية تناسب الحر وميزانية الفلاحين، وما زالت أفكاره تُدرَّس. أما مكتبة الإسكندرية التي افتُتحت سنة 2002 فسقفها المائل المستدير صار من علامات المدينة.
العمارة العربية في السعودية والخليج
في السعودية وحدها أكثر من طراز تقليدي. العمارة النجدية في الرياض والقصيم بُنيت بالطين واللبن، بجدران سميكة وفتحات صغيرة مثلثة للتهوية، وأوضح أمثلتها حي الطريف في الدرعية المسجل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي. والعمارة الحجازية في جدة التاريخية بُنيت بالحجر المرجاني، وارتفعت بيوتها عدة طوابق، وغُطيت نوافذها برواشين خشبية تحجب النظر وتسمح بمرور الهواء.
عادت هذه العناصر إلى بعض المشاريع الجديدة في صورة معاصرة، وأكثرها حضورًا الفناء الداخلي والمشربية.
عناصر فن العمارة
أي مبنى، مهما كان طرازه، يُقرأ من خلال عناصر ثابتة:
- الكتلة والفراغ، أي حجم المبنى من الخارج وتقسيم داخله إلى غرف وممرات وأفنية.
- الواجهة، وهي أول ما يراه الناس، ومنها يُعرف الطراز غالبًا.
- النظام الإنشائي: جدران حاملة، أو أعمدة وجسور، أو هيكل معدني.
- الفتحات من أبواب ونوافذ، وبها يتحدد الضوء والتهوية والخصوصية.
- التغطية، سواء كانت أسقفًا مستوية أو أقبية أو قبابًا.
- مواد البناء والتشطيب.
- الزخرفة والتفاصيل، وتكثر أو تقل حسب الطراز.
حين نصمم فيلا اليوم نمر على هذه العناصر نفسها. والفرق بين واجهة مودرن وواجهة كلاسيك يظهر في الفتحات والزخرفة والنسب أكثر مما يظهر في الكتلة.
من الحجر إلى الزجاج: كيف تغيرت مواد البناء
الحجر والطين أقدم مواد البناء. الحجر متين لكنه ثقيل وبطيء في النحت، والطين متاح ورخيص لكنه يحتاج إلى صيانة مستمرة. ثم جاء الطوب المحروق فصار البناء أسرع وأكثر انتظامًا.
أدخلت الثورة الصناعية الحديد ثم الصلب، وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت الخرسانة المسلحة. ومع الهيكل الخرساني أو المعدني لم يعد الجدار الخارجي يحمل المبنى، فأمكن أن يكون زجاجًا بالكامل. انتشرت الواجهات الزجاجية في الأبراج المكتبية منذ خمسينيات القرن العشرين، وساعد على ذلك اختراع طريقة الزجاج الطافي التي جعلت الألواح الكبيرة المستوية أرخص.

لكن للزجاج ثمنًا في مناخ الخليج. الواجهة الزجاجية المكشوفة للشمس ترفع حمل التكييف كثيرًا، ولهذا يضع كود البناء السعودي اشتراطات لكفاءة الطاقة في المباني، ويحتاج المصمم إلى اختيار نوع الزجاج واتجاه الفتحات وكاسرات الشمس بعناية.
الطرز المعمارية في مشاريع أركيميكر
نعمل منذ 2005 مع ملاك ومستثمرين في السعودية ودول الخليج، وصممنا أكثر من 600 مشروع. نصمم واجهات الفلل والقصور بطرز المودرن والنيو كلاسيك والكلاسيك، ونختار الطراز مع المالك في بداية المشروع لأنه يؤثر في المخطط نفسه، من ارتفاع الأدوار إلى مقاسات الفتحات.
من أمثلة الطراز الكلاسيكي في أعمالنا فلل البوابة لمجمع سكني في السعودية، وقصر الجزيرة في عدن. وفي كل طراز نراجع الواجهة مع اشتراطات البلدية في الارتدادات والارتفاعات قبل اعتمادها.
إذا كان عندك أرض وتفكر في طراز معين، أرسل لنا مخطط الأرض وصورًا لواجهات أعجبتك من صفحة ابدأ مشروعك، ونرسل لك العرض الفني والمالي خلال 48 ساعة عمل.
أسئلة شائعة عن فن العمارة
فنُّ العمارة هو الفنُّ الذي يهتم بماذا؟
يهتم فن العمارة بتصميم المباني وتنظيم فراغاتها بما يناسب استعمالها. يدخل في ذلك توزيع الغرف والممرات، والإضاءة والتهوية، واختيار المواد والشكل الخارجي، مع مراعاة متانة المبنى وراحة من يستعمله.
ما الفرق بين فن العمارة والهندسة المعمارية؟
هما اسمان لمجال واحد تقريبًا. يُستعمل «فن العمارة» غالبًا عند الحديث عن الطرز والجمال والتاريخ، و«الهندسة المعمارية» عند الحديث عن المهنة والدراسة الجامعية. والمعماري في الحالتين يصمم المبنى وينسق مع المهندس الإنشائي ومهندسي الكهرباء والميكانيكا.
ما هي أنواع العمارة؟
أشهر أنواع العمارة حسب العصور هي المصرية القديمة، واليونانية والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية، والقوطية، وعمارة عصر النهضة، والباروك، والكلاسيكية الجديدة، ثم العمارة الحديثة والمعاصرة. وإلى جانبها طرز محلية كثيرة، مثل العمارة النجدية والحجازية في السعودية.
ما العوامل التي تؤثر في شكل العمارة؟
المناخ قبل كل شيء، فالبيت في الحر يختلف عن البيت في البرد. ثم مواد البناء المتاحة في المكان، والعادات والدين، مثل حاجة البيت العربي إلى الخصوصية، والتقنية المتاحة في كل عصر، واشتراطات البناء المحلية.
متى ظهرت العمارة الكلاسيكية الجديدة؟
ظهرت في أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر بعد اكتشاف أطلال بومبي وهيركولانيوم، واستمرت حتى القرن التاسع عشر. وما يسمى اليوم «النيو كلاسيك» في واجهات الفلل مستوحى منها بصورة مبسطة.




